مجمع البحوث الاسلامية
621
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
بَعْضاً - والمفعول الأوّل في ( 14 ) و ( 15 ) نائب فاعل للفعل المجهول - فالفعل فيها حتما بمعنى اتباع شخص لشيء أو لشخص . وأمّا في ما جاء فيه مفعول واحد ، فقد اختلفت كلماتهم في معناه ، فتكلّف بعضهم في بعض الآيات مفعولا ثانيا ، كما قيل في ( 6 ) : فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فقال : « فصيّره الشّيطان لنفسه تابعا » أو « أنّ الشّيطان أتبعه كفّار الإنس حتّى اتّبعوه » أو « أتبعه الشّيطان خطوته » . وقيل في فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ : إذا أريد أنّ فرعون أتبعهم خيرا أو شرّا ، فيقرأ ( اتبع ) ، وإذا أريد اتّبع أثرهم ، فيقرأ ( اتّبع ) . وقليل منهم ساوى بين « تبع » و « أتبع » و « اتّبع » ، فقال في فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ : أي تبعه . وأكثرهم فرّق بين « تبعه » و « أتبعه » بأنّ الأوّل السّير وراءه ، سواء كان لحقه أم لا ، ومعنى الثّاني أدركه ولحقه . وقالوا في فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ : أي أدركه ومنعه من الاستماع إلى أحاديث الملأ الأعلى ، يقال : ما زالت أتّبعه حتّى أتبعته ، أي سرت خلفه حتّى لحقته . قال الطّباطبائيّ في فَأَتْبَعَ سَبَباً : « أي لحق سببا ، واتّخذ وصلة ووسية يسري بها نحو الغرب » . وعندنا أنّ ( اتبع ) إذا جاء بمفعول واحد ففيه معنى التّعقيب واللّحوق بشيء أو بشخص لإصابته بالضّرر ، وإذا جاء بمفعولين فمعناه إلحاق أحدهما بالآخر شرّا ، مثل : فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً في ( 4 ) ، و ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ في ( 12 ) ، و ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً في ( 13 ) . هذا يوافق اللّغة أيضا ، قال الخليل : أتبع فلان فلانا ، إذا تبعه يريد شرّا : فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ . . . ثالثا : هذه الآيات كلّها مكّيّة إلّا البقرة ، وهي أوّل سورة مدنيّة على المشهور ، فهي قريبة العهد بمكّة ، فلو قيل : بأنّ « أتبع » تعبير مكّيّ لما كان بعيدا عن الصّواب . وهذا بخلاف « تبع » مجرّدا ، ففيه جاء كلّ من المكّيّ والمدنيّ ( 5 ) مرّات ، فهما سيّان . ج - تفاعل : ( 2 ) وصفا : 1 - فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ * النّساء : 92 ، والمجادلة : 4 يلاحظ أوّلا : أنّ « التّتابع » لغة هو التّوالي بين شيئين أو أكثر ، ولا يشترط فيه أن يكون أحدهما تبعا للآخر . قال الخليل : « التّتابع ما بين الأشياء إذا فعل هذا على إثر هذا ، لا مهلة بينهما ، كتتابع الأمطار والأمور واحدا خلف الآخر . . . » . ثانيا : أنّ « التّتابع » لم يأت في القرآن إلّا وصفا : ( متتابعين ) في سياق التّشريع ، في سورتين مدنيّتين . ثالثا : أنّ صيام شهرين متتابعين جاء في القرآن كفّارة في موردين : 1 - كفّارة قتل الخطأ لمن لا يتمكّن من تحرير رقبة مؤمنة . 2 - كفّارة الظّهار لمن لا يتمكّن من تحرير رقبة . والجامع بينهما أنّ صيام شهرين متتابعين فيهما جاء بدلا من تحرير رقبة مؤمنة في الأوّل ورقبة في الثّاني ، فهل هناك نكتة في تبديل تحرير رقبة بالصّيام شهرين